الإمام السيد موسى الصدر

الإمام السيد موسى الصدر

حركة أمل

مَنّ الله على لبنان بشخصية ملأت الدنيا فكراً واصلاحا وشغلت الناس لاستشراف غد مشرق، يتماهى مع التاريخ الذي شكل منعطفاً وتحولاً في مسار الانسان الذي كرمه الله، عنيت بها الإمام السيد موسى الصدر الذي رسم ملامح المستقبل على أسس رسالية واضحة يشكل الإسلام مصدرها الأساسي.

لقد كان الإمام الصدر صاحب شخصية فذة ذات بعد محلي وعربي ودولي امتاز بسعة العلم والمعرفة وصواب الموقف وعمق التفكير وطول الاناة.. رسول سلام، متواضع، مشرق بمرؤته وعنفوانه واستقامته، يوحي بالثقة، يدعو للمحبة والتقارب بلغة العقل والمنطق والكرامة ويشجع على العلم والبحث والاجتهاد.

رجل دين لا يجارى، يستمد نضاله من ايمانه بالله، فكره نير متحرر في إطار اسلامي بعيد عن التزمت والتعصب… حياته شعلة من الكفاح المقدس، من أجل رفع راية الحق الأبدي.

صاحب مدرسة للجهاد والمقاومة خرجّت اجيالاً مؤمنة ملتزمة بقضية الانسان والحرية ومستعدة للاستشهاد في مواجهة الظلم والحرمان.

سار على خطى الانبياء والمصلحين مهتدياً بالله تعالى في كل تحركاته واعماله مردداً :

” ليس هناك أحد يقدر ان يحدد لي دوري … أنا دوري محدد منالله سبحانه وتعالى ومن تاريخ وطني وديني “

” لقد منح الامام الصدر مجتمعه فكراً ومعرفة وحيوية على الصعد كافة حتى غدا قطباً متألقاً استحق تقدير واحترام معظم القطاعات الأدبية والدينية والسياسية.

فمن هو الإمام الصدر؟؟

نسبه:

هو السيد موسى بن السيد صدر الدين بن السيد اسماعيل بن السيد صدر الدين بن السيد صالح شرف الدين، الذي ولد في قرية شحور قضاء الجنوب سنة 1702م وكان عالماً دينياً جليلاً وله باع طويل في الطب والرياضيات.

وحين شن والي عكا احمد الجزار حملته ضد علماء المسلمين الشيعة في جبل عامل، واضطهدهم وقتلهم واحرق المكتبات العاملية في افران، عكا تعرض السيد صالح للاضطهاد، والقى به الجزار في السجن، لكنه استطاع الفرار الى العراق حيث استوطن في النجف الأشرف، ولحقت به زوجته وولداه صدر الدين ومحمد علي قبل نزوحه الى اصفهان.

تزوج السيد صدر الدين ابن السيد صالح من ابنة المجتهد الشيخ الكبير كاشف الغطاء ورزق منها خمسة اولاد أصغرهم السيد اسماعيل الذي غادر اصفهان الى النجف الأشرف لطلب العلم وعرف بالسيد الصدر.

كان السيد اسماعيل من رجال الزهد والورع والعلم وانعقدت له المرجعية العامة حتى وفاته في النجف الأشرف سنة 1919م. وله أربعة اولاد هم: محمد مهدي، صدر الدين، محمد جواد، وحيدر.

أمضى صدر الدين فترة شبابه في العراق حيث قاد حركة دينية تقدمية وشارك في تأسيس الهيئات الثقافية وكتب في الصحف والمجلات العراقية.

تزوج من السيدة صفية كريمة المرجع الديني المعروف السيد حسين القمي ثم هاجر الى مقام الامام الرضا(ع) لمعاونة استاذه الامام عبد الكريم اليزدي في ادارة حوزته العلمية.

مولده: ولد الامام في 15 أذار سنة 1928 في مدينة قم المقدسة.

علومه: تلقى علومه على يدي شقيقه رضا وتركز منهجه في اللغة والأصول على يدي والده.

انتسب الامام الى جامعة قم الدينية واشتهر بانه محقق باحث متحدث ومناقش مميز وانتهت هذه المرحلة بحصوله على درجة الاجتهاد.

التحق بجامعة طهران كلية الحقوق وتخرج منها حاملاً اجازة في الاقتصاد عام 1953 وكانت عمامته اول عمامة دخلت حرم تلك الجامعة.

ـ انتقل في العام 1954 الى النجف الأشرف وتابع دروسه الدينية.

قدومه الى لبنان:

زار الإمام مدينة صور اول مرة سنة 1955 حيث حل ضيفاً على نسيبه السيد عبد الحسين شرف الدين الذي تعرف الى شخصية الامام الصدر وصار يتحدث في مجالسه عن مزايا الامام وعصاميته بما يوحي بجدارته لأن يخلفه في مركزه بعد وفاته.

وفي اواخر العام1959، وبناء على دعوة ابناء السيد عبد الحسين شرف الدين عاد الامام الى لبنان، واقام في مدينة صور خلفاً لنسيبه الامام شرف الدين.

وبدأ مسيرته في لبنان

مراحل عمله:

آمن الامام بضرورة توعية الجماهير المحرومة، على واقعها السيئ، كمقدمة ضرورية من أجل التغيير والثورة على الأوضاع القائمة، والتمرد على الواقع المشين انسجاماً مع الآية الكريمة (ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) .

لكنه كان متيقناً ان عملية التوعية لن تتم بين ليلة وضحاها، وإنها عملية شاقة وطريق مفروش بالأشواك، لذلك نراه انتهج برنامجاً مرحلياً متدرجاً في عملية التوعية والتثقيف والتعبئة.

1ـ دينياً:

ما أن وطأت قدماه أرض لبنان حتى بدأ الإمام الصدر بالتوجيه الديني مرشداً الناس الى المفاهيم الصحيحة التي ينطوي عليها الدين الإسلامي، رافعاً عنه محاولات التشويه والتحريف والسخرية، مشدداً على إخراجه من صومعة الانعزال وجعله كما هو ديناً للحياة والكفاح الاجتماعي، مزاوجاً مزاوجة رائعة بين العمل الديني والعمل الاجتماعي المرتكز على قواعد الدين والشريعة مزيلاً الحاجز المفتعل بين عمل رجل الدين بوصفه عالماً دينياً، وبين المجتمع الذي له متطلبات كثيرة، معتبراً ان العمل السياسي الاجتماعي جزء من الوظيفة الالهية، فخرج برجل الدين الى عالم الحياة والحركة ورفع عنه غبار السنين ليسير مع الحياة في تطورها ورقيها منسجماً بذلك مع الفكر الديني الأصيل يقول الامام:

” ان رسالتي الدينية منذ بدأتها في القيام بجميع الحقول الدينية يعني انني لا اعتقد بان رسالة الدين تنحصر في العبادات “

وهكذا اجتمعت في الإمام الصدر صفات القيادة الدينية والسياسية والاجتماعية.

لم يمارس الدين من موقع السياسة وإنما مارس السياسة والعمل الاجتماعي من خلال الموقع الديني، فكانت سياسته صدقاً وإخلاصاً ووعياً وقولاً لكلمة الحق مهما كان الثمن. فاستشعر لدى الجميع حاجة روحية تمثلت في الإقبال المنقطع النظير عليه لسماع آرائه ودعوته المخلصة لله.

2ـ إنسانياً:

عاش معاناة الناس ومشاكلهم ومتاعبهم، وتألم لما كان يعتور هذا الوطن من تمييز اجتماعي وإقتصادي وإنساني، فاقتحم الميدان السياسي والاجتماعي متوقفا عند الإنسان الذي جعله الله خليفته على الارض لعمارة الكون ونشر الفضائل، فنادى بوجوب الحفاظ على إنسانيته وتأمين حقوقه وتوفير عيش كريم له.

رأى الامام ان الحرمان، الذي يعاني منه انسان لبنان، عائد الى طبيعة النظام اللبناني الذي كرس الامتيازات الطائفية التي تحصر السلطة في ايدي فئة قليلة لا على اساس الكفاءة، وإنما على اساس طائفي. فانطلق في عملية إصلاح هذا النظام من خلال نظرة الدين الموضوعية الى الحياة والانسان، من دون نظر الى اللون والمعتقد، رافعاً شعار إلغاء الطائفية السياسية مطالباً بإجراء الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية مؤكداً على إنصاف المناطق اللبنانية المحرومة وعلى المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات داعياً الى القضاء على الظلم والطبقية والى بناء لبنان، على اساس الحرية والكرامة واالعدالة والكفاءة وتكافؤ الفرص، لبنان الانسان والحضارة والقيم، فتخطى بذلك خصوصيته الشيعية ليصبح رجل الوطن، فتطلعت اليه مختلف فئات الشعب المحرومة لإنقاذها من نير التمييز والحرمان، وتجمع حوله اللبنانيون وعقدوا عليه الآمال العريضة لمحاربة التخلف والبؤس ولبناء الوطن المنشود كيف لا وهو القائل:

” نموت في سبيل تحقيق مطالب كل المحرومين من كل الطوائف”

انجازات الامام الصدر