في عام 1982 كانت الأرض على موعد مع شاب حمل في قلبه جنوباً بأكمله وقرّر أن يكتب بدمه السطر الأول من كتاب الحرية.
وُلد الشهيد أحمد جعفر قصير، المعروف بلقبه الجهادي “سمير”، في بلدة دير قانون النهر بقضاء صور عام 1963. نشأ في كنف أسرةٍ جنوبيةٍ مؤمنة، ورضع من تراب الأرض معاني الإباء، فكان شاباً هادئاً، عميق الإيمان، مسكوناً بهمّ وطنه الذي كان يرزح تحت وطأة الاحتلال.
مع تصاعد العدوان الإسرائيلي واجتياحه للبنان عام 1982، لم يطق أحمد صبراً على رؤية جنود الاحتلال يُدنّسون أرض الجنوب. انخرط في العمل المقاوم بصمتٍ ويقين، واختار لنفسه مساراً لم يسبقه إليه أحد، ممهّداً الطريق لمرحلة جديدة من المواجهة النوعيّة التي غيّرت موازين القوى في المنطقة.
في صبيحة يوم الخميس، 11 تشرين الثاني 1982، كان “فاتح عهد الاستشهاديين” على موعد مع التاريخ. قاد سيارته المرسيدس المفخّخة، واقتحم بها مقرّ الحاكم العسكري الإسرائيلي عند “بوابة صور”. أسفرت العملية عن تدمير المبنى المكون من ثمانية طوابق بالكامل، ومقتل 74 ضابطاً وجندياً إسرائيلياً وفقدان 27 آخرين. وصف قادة الاحتلال هذه العمليّة بأنّها “الصدمة الأقوى” في تاريخ جيشهم، وبقيت هويّة منفذها سرّاً مكتوماً لدى قيادة المقاومة لمدة ثلاث سنوات.
وقد كشفت الوثائق والوصايا لاحقاً أن مخطط هذه العملية والمشرف عليها كان الشهيد القائد محمد سعد، الذي أكّد في وصيّته فخره بهذا الإنجاز البطولي الذي كسر هيبة الاحتلال.
ارتقى أحمد قصير شهيداً، محوّلاً جسده إلى جسرٍ تعبر عليه قوافل التحرير، ومؤسساً لمدرسةٍ في التضحية جعلت من دمه وقوداً لانتصاراتٍ لاحقة.