في القرى التي تعلّمت أن تصمد قبل أن تتعلّم الكلام، يولد رجال صامتين في حضورهم، عميقين في أثرهم، لا يطلبون الضوء لأنهم جزء من النور. من بلدة معركة، بلدة الصمود والمواجهة، خرج الشهيد حيدر خليل، رجلٌ عاش العقيدة فعلًا، واختار درب الشهادة نهجًا لا شعارًا.
وُلد الشهيد حيدر خليل عام 1956 في بلدة معركة الجنوبية، ونشأ في بيئةٍ عرفت معنى الحرمان والمقاومة معًا ومع انطلاقة أفواج المقاومة اللبنانية أمل، كان من أوائل المنتسبين إليها. عمل إلى جانب الشهيدين القائدين محمد سعد وخليل جرادي على تأسيس الخلايا الأولى للحركة في منطقة صور، واضعًا اللبنات الأولى لعمل مقاوم منظّم في مرحلة كانت فيها البدايات محفوفة بالمخاطر والتضحيات.
في عام 1976، شغل المسؤولية الإعلامية لخط معركة – طيردبا – وادي جيلو، فكان صوته هادئًا لكن أثره بالغًا. لاحقًا، عُيّن مسؤولًا ثقافيًا لبلدته معركة، ثم تولّى المسؤولية العسكرية عام 1989، جامعًا بين الفكر والسلاح، بين التوجيه والميدان.
تسلّم مهمة تنسيق عمليات المقاومة خلال مرحلة القبضة الحديدية، فكان حاضرًا في أدقّ التفاصيل، متابعًا، منظّمًا، ومؤمنًا بأن العمل المقاوم يحتاج إلى صبرٍ طويل ونفَسٍ ثابت. استمر في أداء هذه المهمة حتى تاريخ انفجار مبنى حسينية معركة، الحدث الذي شكّل جرحًا عميقًا في جسد المقاومة.
عُرف الشهيد حيدر خليل بإيمانه العميق، وجهاده الصامت، وحياته المتقشّفة، وبحبّه الصادق للشهادة. لم يكن كثير الكلام، لكنه كان كثير الفعل. تعرّض لعدة محاولات اغتيال، كان أبرزها على طريق وادي جيلو – الضحايا، ومع ذلك لم يبدّل طريقه، ولم يتراجع خطوة واحدة.
في المجزرة التي نفذها العدو الصهيوني في مبنى حسينية معركة، والتي أدّت إلى استشهاد القائدين محمد سعد وخليل جرادي، أُصيب الشهيد حيدر خليل بجروح خطيرة. خرج منها مثخنًا بالألم، لكنه أكثر إصرارًا على متابعة الدرب، معتبرًا أن النجاة تكليف جديد لا استراحة محارب.
كان من تلامذة الشهيد الدكتور مصطفى شمران، فتشرّب منه ثقافة العمل الصامت، والانضباط، وربط الجهاد بالوعي والعقيدة. تميّز بقلّة كلامه وكثرة عمله، وعمل مدرّسًا للعلوم الدينيّة في مدارس بلدته، فكان يربّي الأجيال على الإيمان كما يربّي المقاومين على الصبر والثبات.
تولّى نيابة المسؤولية التنظيمية للمنطقة الرابعة، واستمرّ في أداء مهامه حتى تاريخ استشهاده. وفي الحادي عشر من آب عام 1986، استُشهد غدرًا على يد عملاء الموساد الصهيوني المنضوين تحت اسم قوات الطوارئ الفرنسية، في جريمةٍ كشفت وجه الخيانة المتخفّي خلف شعارات زائفة. رحل الشهيد حيدر خليل كما عاش: هادئًا، ثابتًا، وفيًّا للمبدأ. وترك وصيته التي تختصر مسيرته كلّها:
«أخوتي، لا تناموا كثيرًا، لأن المبدأ والعقيدة بحاجة إلى السهر والحماية».
كانت كلماته حياة، وكانت حياته شهادة.