لم تكن السماء بعيدةً عن قبضته، هو الذي حلم بالتحليق فوق الجنوب ليحرس أزقته بذكاء العالِم وعزم المقاوم. حوّل زهير شحادة “الطيار” زنزانة الأسر إلى معملٍ للابتكار، والبندقية إلى أداةٍ لرسمِ خرائط العبور؛ فكان القائد الذي آمن بأنَّ التفوق على العدو يبدأ من امتلاك ناصية العلم، وختم مسيرته بملحمة التفافٍ بطولية، صانعاً من دمه جناحين حلقا فوق تخوم السلطانية ودير انطار..
وُلد الشهيد زهير شحادة في بلدة عين بوسوار بجنوب لبنان عام 1961. انتقل إلى بيروت حيث درس الميكانيك في الكليّة العامليّة، ثم سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكيّة ونال شهادة في الطيران وهندسة الطيران، مسجّلاً في سجلّه 1000 ساعة تحليق ونال تقديراتٍ عالية من أساتذته. عُرف بتعلّقه العميق بجبل عامل، فاتخذ لقب “العاملي” خلال عمله الجهادي، وهو الذي أسّس فوج جمعية كشافة الرسالة الإسلامية في بلدته عين بوسوار.
شارك الشهيد في العديد من العمليات العسكرية الناجحة ضد العدو الصهيوني، أبرزها مواجهات جبل الريحان وعملية جبل صافي عام 1984، والتي اعتُقل على إثرها في معتقل أنصار. وفي داخل المعتقل، صمّم وصنع مع الشهيد عباس بليطة ورفاقهما أول طائرة داخل المعتقلات في العالم، جُمعت سرّاً قطعةً قطعة، ورغم تعذّر إطلاقها لغياب المدرّج، إلا أنها حفرت عميقاً في وعي قادة الاحتلال، ومنذ ذلك الحين لقبه رفاقه بـ “الطيّار”. كما كان له دور بارز في حفر الأنفاق خلال فترة اعتقاله التي استمرّت ستة أشهر.
بعد خروجه من المعتقل، ساهم في تأسيس اللجنة الإسلامية لمعتقلي أنصار، وعُرض عليه منصب المفوّض الإعلامي في جمعية كشافة الرسالة الإسلامية، لكنه اختار الميدان وحمل البندقية كقائد ميداني في غرفة العمليات بالتزامن مع مسؤولياته الإعلامية. تميّزت رؤيته بالتطوير العسكري، حيث كانت لديه مشاريع لتطوير أسلحة المقاومة، ومنها تطوير صاروخ “غراد” ليصل مداه إلى 40 كم.
وفي شباط من عام 1986، وخلال مواجهات شرسة في بلدة صريفا، ابتدع الشهيد القائد زهير شحادة خطة التفاف نوعية بتسلّل مجموعات المقاومين خلف خطوط العدو. وفي خضم هذه العملية البطولية، ارتقى شهيداً على تخوم قريتي السلطانية ودير انطار مع ثلة من إخوانه: إبراهيم فرحات، محمد الديراني، وحسن خلف، ليترك خلفه إرثاً من العلم والجهاد لا يمحوه الزمن.