في القرى المتاخمة للحدود، حيث تختلط رائحة التراب بندى الفجر وصوت الخطر الدائم، لم يكن سعيد أسعد مواسي مجرّد اسم في سجل، بل كان وعدًا مبكرًا بالشهادة، ونبضًا جنوبيًا قرّر أن لا يعيش إلا واقفًا على حافة التضحية.
وُلد سعيد أسعد مواسي، المعروف بـ«طارق»، في بلدة عيترون عام 1964 ونشأ بين الأرض والتبغ، بين المناجل وتشققات الأكف المتعبة. كان يعود من مدرسة البلدة، محافظًا على تفوّقه في جميع صفوفها، ليساعد أهله في عملهم الزراعي، فتعلّم من الأرض كيف يكون الصبر عبادة، وكيف يُزرع الأمل في ترابٍ قاسٍ لينبت كرامة.
لم يكن صعبًا على الطفل سعيد أن يشعر بالخطر المحدّق بقريته. في إحدى المرّات، رأته والدته، وكان في العاشرة من عمره، يحمل سلاحًا أمام المدرسة. خافت عليه وقالت إن المدرسة للعلم، فأجابها بكلماتٍ سبقت عمره: “إنّ العلم والسلاح لا ينفصلان.”
انتقل من عيترون إلى صور لمتابعة دراسته، وهناك التقى بالدكتور الشهيد مصطفى شمران.. رأى شمران في هدوء سعيد طاقة وثابة وحماسة نادرة، ورأى سعيد في أستاذه طريقًا واضح المعالم في زمنٍ ضبابي، كان الجنوب فيه على أعتاب مشروع صهيوني يستهدف الأرض والإنسان معًا. فكان لا بد من الاستعداد بكل الوسائل: ثقافيًا، علميًا، وعسكريًا.
لم تكن مرحلة التتلمذ على يدي الدكتور شمران مجرّد محطّة عابرة، بل كانت مفصلًا أساسيًا في تكوين سعيد الجهادي والفكري.
انتقل لاحقًا إلى صيدا لإنهاء دراسته المهنية في اختصاص الإلكترونيات، حيث برع وتفوّق. وبعد نجاحه في المهنيّة انتقل إلى دمشق لمتابعة دراسته الجامعية. وهناك، حين اجتاحت القوات الصهيونية لبنان، لم يتردّد. حزم حقائبه على عجل، وعاد ليحمل السلاح، لتبدأ رحلة الجهاد الطويلة.
كان يقول للمجاهدين: «إن الذي يريد سلوك طريق المقاومة سيجوع ويعطش وسينام في العراء»، وكان يضيف: «إن أردتم العزّة، فقدموا أرواحكم رخيصة لتبقى الحياة عزيزة للأجيال القادمة، واكتبوا على صفحات أيامكم تاريخًا مشرّفًا». لم يكن كلامه شعارًا، بل أسلوب حياة. إلى جانب جهاده، سعى إلى تربية الإخوة المجاهدين، وشرح أهمية العمل الذي يقومون به، فكان لهم القائد والمثل والقدوة.
بعد عودته إلى لبنان، لم يعرف سعيد الاستقرار. لم يأوِ إلى بيت، ولم يلتقِ الرفاق إلا لمامًا. كانت المغاور مسكنه، والسماء سقف ليله، والعشب طعامه، والقرآن رفيق دربه، والدعاء عند عتبات الإمام الحجة مناجاة سحره. همه الدائم مقارعة العدو الإسرائيلي في كل قرية ومفترق طريق. استحوذت المقاومة على كل اهتماماته.
مع فجر الأول من كانون الثاني عام 1986، وعلى التلال المشرفة على ميس الجبل وعيترون، بينما كان بعض الناس يسهرون على ضجيج الموسيقى احتفالًا بقدوم عام جديد، كان سعيد ومجموعة من المجاهدين يتهيأون لاحتفال من نوع آخر.ساروا في وعر الأودية، وسلاحهم الملقّم بالرصاص جاهز لمواجهة العدو. لاحظ سعيد تحركات مشبوهة، فأمر رفاقه بالانسحاب، متكفّلًا بتأمين تغطيتهم.
بدأت الرشاشات الصهيونية تمطر المكان بوابل من الرصاص. بقي سعيد وحيدًا، يقاتلهم وجهًا لوجه، رافضًا أن يترك رفاقه فريسة للكمين. كان نداء «يا زهراء» جسر عبوره الأخير، وقد حمل دمه على كفه ولطخ به جسده، ليقدمه قربانًا للسيدة الزهراء (ع)، ختم وفاءٍ للعهد الحسيني.
استشهد سعيد أسعد مواسي في ميس الجبل في الأول من كانون الثاني عام 1986، كما أراد منذ بدايات عمره. عرف الطريق مبكرًا، وسلكه حتى نهايته. وقد يكون من السهل أن يعرف الإنسان الحقيقة، لكن الأصعب أن يمشي فيها، فدرب الشهادة دائمًا صعب… وسعيد اختاره عن وعيٍ ومحبة.