في الأزمنة التي تختبر فيها الأوطان أبناءها، وتنكشف فيها المعادن الحقيقية للرجال، يولد بعض الشهداء خارج القوالب المألوفة، لا لأن الطريق اختلف، بل لأن الإيمان حين يصدق لا يعرف حدود الطائفة ولا الاسم. من الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث اختلط الألم بالأمل، خرج الشهيد حيدر، المعروف باسم طوني أبي غانم، ليكتب سيرةً استثنائية عنوانها البحث عن الحقيقة والانتصار لها حتى الشهادة.
وُلد طوني أبي غانم عام 1965 في الضاحية الجنوبية لبيروت، ونشأ في كنف عائلة مسيحية. تلقّى دراسته الابتدائية والمتوسطة في مدرسة النور التكميلية، وكان منذ صغره ميّالًا إلى العمل الإنساني والخدمة العامة. انضم إلى الصليب الأحمر اللبناني، وتعلّم شؤون الإسعافات الأولية، فكان قريبًا من آلام الناس وجراحهم في زمنٍ كانت فيه البلاد تنزف بلا توقف.
شكّل انضمامه إلى كشافة الرسالة الإسلامية محطّة مفصليّة في حياته. هناك، شاهد بأمّ عينيه اندفاع الشباب المؤمن، تفانيهم، صدقهم، واستعدادهم للتضحية، فأحبّهم واندمج معهم، حتى أصبح واحدًا منهم.
أنهى حيدر دراسته المتوسطة، ودرس في المهنية اختصاص الكهرباء، لكنه لم يلبث أن اجتاح العدو الصهيوني لبنان عام 1982، فالتزم بالمعركة، تصدى مع ثلّة من مجاهدي أفواج المقاومة اللبنانية -أمل لجحافل العدو المتقدمة إلى مشارف بيروت، صامدًا أيامًا على محور التيرو في حي السلم، قبل أن يتنقل بين محاور بيروت والجنوب، من كمين إلى زرع عبوة، ومشاركة في عمليات نوعية دفاعًا عن الأرض والكرامة.
سجّل الحاج حيدر مواقف جسيمة، أبرزها إسقاطه لمروحية إسرائيلية في تسلل للجنود الصهاينة إلى بلدة صريفا، ونجاحه في تنفيذ عمليات دقيقة خلال الاجتياح، وهو الذي تخرج كضابط مدفعية برتبة امتياز، لكنه فضّل البقاء بين حي السلم والجنوب في قلب المعركة.
في آب 1984، وأثناء توجهه لتنفيذ عملية في الريحان، أسره العدو الإسرائيلي على معبر باتر – جزين، وخضع لأشد أنواع التعذيب النفسي والجسدي طوال سنة وثلاثة أشهر في سجون فلسطين المحتلة، ومنع عنه أي تواصل مع الصليب الأحمر، رغم إضرابه عن الطعام وطلبه مقابلة المندوبين. وعند إطلاق سراحه، أجبِر على الإدلاء بأقوال كاذبة، لكنه لم يثنه ذلك عن العودة فورًا إلى محاور المقاومة
استشهد الحاج حيدر في 11 كانون الأول 1991 أثناء قيامه بزرع عبوة لدورية صهيونية في منطقة القنطرة، حيث افتُضح وجوده، ففتح النار على العدو لحماية رفاقه، فسقط شهيدًا على التراب الذي أحب، تاركًا إرثًا خالدًا من البطولة والتضحية..
ظل جثمانه الطاهر رهينة الاحتلال حتى تموز 1996، واستُعيد خلال عملية تبادل، ودفن في مسقط رأسه في حي السلم، ليبقى اسمه علامة مضيئة للمجاهد المؤمن الذي حمل في قلبه الله، ومن أجل الله سقط شهيدًا، تاركًا في قلوب أهله ورفاقه صورة الإنسان الكامل، المخلص لوطنه، لأرضه، ولرسالة الحق. رحل الجسد، وبقيت الحكاية شاهدًا على أن الشهادة لا تُسأل عن الاسم، ولا عن الخلفية، بل عن الصدق.