في القرى التي تُنجب رجالها على مهل، وتُعلّمهم منذ الصغر أن الطريق إلى الكرامة ليس مفروشًا بالطمأنينة، وُلد الشهيد القائد عدنان مهدي الحلباوي، رجلٌ جمع بين الإيمان الصافي والصلابة الميدانية، وسار في درب المقاومة حتى النهاية دون أن يلتفت إلى وجعه أو يساوم على قناعته.
وُلد الشهيد عدنان الحلباوي في بلدة النبي شيت البقاعية عام 1954، ونشأ في بيئةٍ دينية وأخلاقية صلبة. عُرف منذ شبابه بالتزامه الديني والأخلاقي، وبعمله الإنساني القريب من الناس، فكان حاضرًا في همومهم كما كان حاضرًا في ساحات المواجهة.
مع انطلاقة أفواج المقاومة اللبنانية – أمل، كان من أوائل المنتسبين إليها، وسرعان ما برز كأحد رموزها وقادتها العسكريين. جمع بين العقل الهندسي والدقة التنظيمية من جهة، والجرأة الميدانية من جهة أخرى، ما جعله موضع ثقة القيادة ورفاقه في آنٍ معًا. رافق النائبين هاني قبيسي ومحمد نصر الله في ساحات القتال، وتشارك معهما همّ المواجهة والمسؤولية في أكثر من محطة مصيرية.
تولّى الشهيد عدنان عدة مسؤوليات عسكرية، وكان حضوره لافتًا في المعارك الكبرى التي خاضتها حركة أمل. برز بشكل خاص في معركة خلدة، حيث كان قائدًا للمحور وقائد غرفة العمليات في الرابع من حزيران عام 1985، وأدار المواجهة بحنكة وثبات في واحدة من أعنف المعارك ضد العدو الإسرائيلي. كما شارك في معارك مدينة الكرامة، وكان من أبطال انتفاضة السادس من شباط 1984، تلك المحطة التي شكّلت تحوّلًا مفصليًا في مسار المقاومة الوطنية.
وفي معركة خلدة، كان قائد المحور، ومعه مجموعة من الكوادر والمجاهدين ومع بداية التقدم الإسرائيلي الاستعراضي، تقدّمت إحدى المدرعات الإسرائيلية نحو مدخل مدينة الزهراء، ثم همّت بالانسحاب وبابها الخلفي مفتوح، فبادر أحد أشبال المقاومة،وهو الشهيد عدنان-(طارق)، إلى استهدافها بقذيفة «آر.بي.جي» دخلت من الباب الخلفي وانفجرت داخلها، ما أدى إلى مقتل كامل طاقمها، ومن بينهم نائب رئيس الأركان الإسرائيلي. أعقب ذلك اشتباك عنيف تراجعت خلاله الآليات الإسرائيلية، وفرّ الجنود، واستولى المقاومون على إحدى المدرعات ونقلوها إلى بيروت.لاحقًا، تعرّض «سنتر سالم» لغارات جوية إسرائيلية عنيفة أدّت إلى تدميره، وسقوط عدد من الشهداء، فيما أُصيب الشهيد عدنان الحلباوي بجروح في يده، وأصيب عدد من رفاقه بجروح متفاوتة، لكنه بقي في موقعه، مؤديًا دوره حتى اللحظة الأخيرة.
وفي محطة أخرى من مسيرته الجهادية، وخلال المواجهات التي شهدتها منطقة برج البراجنة في العشرين من أيار، تعرّض الشهيد عدنان لإصابة في فخذه وكف يده اليمنى أثناء وجوده قرب محطة السبع – حارة حريك. نُقل إلى مستشفى الجامعة الأميركية لتلقي العلاج، لكنه أصرّ على مغادرة المستشفى قبل انتهاء فترة العلاج، رافضًا أن يترك ساحة المسؤولية. توجّه إلى المكتب، واجتمع بالإخوة، وأشرف على إدارة العمليات، غير آبه بآلامه أو بجراحه المفتوحة.
وخلال متابعته العلاجية، طلب منه الطبيب المشرف العودة إلى المستشفى لاستكمال العلاج. وعند عودته إلى مستشفى الجامعة الأميركية، امتدّت إليه يد الغدر، حيث تعرّض لعملية اغتيال صامتة عبر حقنة مصل أدّت إلى تدهور حالته الصحية بشكل خطير. وعلى إثر ذلك، وبقرار من قيادة حركة أمل ورئيسها، نُقل إلى المستشفى العسكري في فرنسا، لكن محاولات العلاج باءت بالفشل، وبعد صراعٍ مع الجراح والغدر، ارتقى شهيدًا.
استشهد القائد عدنان مهدي الحلباوي في الخامس والعشرين من حزيران عام 1985، متأثرًا بجروحه البالغة، بعد مسيرة حافلة بالجهاد والعطاء. رحل جسده، لكن حضوره بقي في ذاكرة المقاومة، مثالًا للقائد الملتزم، والمجاهد الصادق، والإنسان الذي لم يفصل يومًا بين الأخلاق والسلاح، ولا بين الإيمان والفعل.