في سكون الليل الجنوبي، كان القائد محمد علي حمود “أبو علي” كوشمٍ محفور في ذاكرة الأرض، لم يكن مجرد رجلٍ مرّ في زحام التاريخ، بل كان نبضاً يسكن في عروق حركة المحرومين، فصار حكايةً تُروى حين يُحكى عن الوفاء والالتزام الذي لا يتزعزع.
ولد “أبو علي” عام 1950 في بلدة كفرملكي، تلك البلدة التي علّمته أن الجنوب ليس مجرد جغرافيا، بل هو كرامةٌ تستحق البذل. ومع انطلاقة حركة “أمل” بقيادة الإمام الصدر، التزم نهج المقاومة، فالتحق بالركب منذ البدايات، متدرّجاً في مراتب التضحية، يحمل همّ الجنوب في قلبه وعينيه، ويتنقل بين الميادين بصلابة المقاتل وحكمة القائد.
في منعرجات بيروت عام 1984، كان صوته يصدح في انتفاضة 6 شباط، واقفاً في خط الدفاع الأول ضد الهيمنة والفئوية، ليثبت أن إرادة الشعوب لا تُكسر. ولم يكد غبار المعارك يهدأ حتى تولى مسؤولية الأمن المركزي للحركة عام 1986، في مرحلة هي الأدق والأخطر، فكان العين الساهرة التي تحمي البيت الداخلي وتصون القرار المستقل، ضارباً أروع الأمثلة في الثبات على المبدأ مهما بلغت التضحيات.
لكن يد الغدرتربصت به في الثامن من كانون الثاني عام 1989. سقط “أبو علي” شهيداً وهو يذود عن موقف الحركة وقرارها في الجنوب، ليرتقي إلى علياء المجد غدراً، تاركاً خلفه إرثاً من الدم الذي صار منارةً للمجاهدين. رحل القائد بجسده، لكن ذكراه بقيت وقوداً يشعل العزيمة في قلوب رفاق دربه، مؤكدةً أن دماء الشهداء هي الضمانة الوحيدة لبقاء الراية خفاقة والخط مستقيماً.