قبل أن تشرق شمس المقاومة علناً، كان محمود فقيه يزرع بذور الوعي في القلوب؛ مبرهناً أنَّ التغيير يبدأ من الكلمة الطيّبة والروح الثائرة. لم يكن مجرّد كادرٍ عابر، بل كان “رسول” الإمام في القرى والوديان، صاغ من مهنته كمربٍّ للأجيال نهجاً لبناء الإنسان المقاوم، حتى صار اسماً يقضّ مضاجع المحتل، وشهيداً ختم مسيرته بالوفاء المطلق لتراب الجنوب.
وُلد الشهيد القائد محمود فقيه في بلدة كفرتبنيت عام 1953، ويعدّ من أوائل الكوادر الإسلامية الذين نذروا أنفسهم لتثقيف محيطهم. تميّز بريادته وحركته الدائمة ليل نهار في المساجد والساحات، وبالرغم من صغر سنه آنذاك، كان يرتاد مجالس العلماء والمثقفين لمحاورتهم والاطلاع على أحوالهم.
في عام 1970، وانطلاقاً من إيمانه بأنّ الإسلام هو النظام الاجتماعي والاقتصادي الصالح للحياة، أسس مع ثلّة من الشباب “منظّمة الشباب المؤمن” كبديلٍ عن المذاهب الرأسمالية والاشتراكية. وفي عام 1973، تخرّج من دار المعلمين وعُيّن مدرساً في بلدة معروب، حيث كان يواظب على دروس الإمام الصدر في مؤسسة جبل عامل المهنية. شكّل لقاؤه بالإمام في كفرتبنيت محطة مفصليّة في حياته، خاصّة بعد صرخة الإمام الشهيرة بنصرة الفقراء والمستضعفين.
كان أحد الركائز التأسيسيّة لحركة أمل، ومع إعلان ولادتها رسميّاً إثر انفجار “عين البنيّة” في 5 تموز 1975، انطلق محمود فقيه في العمل العلني وتنظيم الخلايا في القرى، متحدّياً كل المضايقات والملاحقات، حيث كان يقطع الأودية مشياً على الأقدام لإتمام اللقاءات التنظيميّة.
في 5 أيلول 1982، وتحت وطأة الاحتلال الإسرائيلي، كان أحد أركان المسيرة الكبرى بذكرى تغييب الإمام الصدر في صور، والتي تحوّلت إلى مواجهات بطوليّة أحرق فيها الأهالي آليّات العدو. استمرّ في نضاله خطيباً ومحرّضاً ضد الاحتلال وعملائه، حتى اعتقلته قوّات الاحتلال أواخر عام 1983 وأبعدته إلى بيروت، لكنه سرعان ما عاد متنكّراً ليتابع جهاده حتى تحرير الأرض والانسحاب الإسرائيلي الجزئي من صور والنبطية وعدد من القرى في آذار 1985.
ختم القائد محمود فقيه مسيرته في 22 أيلول 1988، حين امتدّت يد الاجرام لتغتاله مع رفيقيّ دربه داوود داوود وحسن سبيتي في مكمن مسلّح استهدف موكبهم في منطقة الأوزاعي. نُقلوا بعدها إلى مستشفى الجامعة الأميركية، وشُيّعوا في موكب مهيب انطلق من روضة الشهيدين وصولاً إلى ثرى الجنوب الذي أحبّوه.