في القرى التي تُواجه النار بالصدر العاري، ويُكتب تاريخها بصبر أهلها قبل دماء رجالها، يولد قادة لا تصنعهم الرتب بل تصقلهم السنين. من مارون الراس، البلدة التي كانت دائمًا في مرمى النار، خرج الشهيد القائد هاني علوية، رجلٌ عاش عمره كلّه على خط المواجهة، ولم يعرف للهدوء معنى إلا بقدر ما يخدم الاستعداد للمعركة.
وُلد الشهيد هاني علوية في بلدة مارون الراس في الخامس عشر من آب عام 1956، ونشأ في قريةٍ لم تعرف يومًا الأمان الكامل، فعاصر منذ طفولته كل الاعتداءات الإسرائيلية التي طالت البلدة وأهلها. كبر على مشاهد القصف والخطر. انتسب إلى أفواج المقاومة اللبنانية – حركة أمل منذ انطلاقتها الأولى، وبدأ مسيرته الجهادية كمسعف، قريبًا من الجرحى والناس، ثم تنقّل بعدها في مختلف القطاعات داخل الحركة، الاجتماعية منها والصحية والخدماتية، لكن قلبه وعينه كانا دائمًا على ميدان القتال، حيث رأى أن المعركة مع العدو هي العنوان الأول لكل جهد.
تعلّقه بالأرض، وعشقه للشهادة، وإحساسه العميق بالمسؤولية تجاه أهله وبلدته، دفعته في فترة وجيزة إلى التدرّج في المسؤوليات العسكرية، حتى أصبح المسؤول العسكري للمنطقة المحتلة، ثم مسؤول غرفة العمليات واضعًا نفسه في الصفوف الأمامية كما اعتاد دائمًا.هذا الحضور الميداني جعله هدفًا مباشرًا للعدو، فحاول اغتياله مرات عدة، ونجا من ثلاث محاولات، كاد في إحداها أن يفقد ابنه البكر علي. ومع ذلك، لم يتراجع، ولم يسمح للخطر أن يغيّر طريقه أو يخفف اندفاعه.
ميدانيًا، تنقّل الشهيد أبو علي في كل مراحل العمل الجهادي التي مرّت بها حركة أمل جنوبًا، وشارك حتى في معارك تل الزعتر، وذلك حتى عام 1976. بعدها عاد إلى مارون الراس، حيث شارك في التصدي للعدو خلال اجتياح عام 1978، فخاض معارك تلة مسعود ومارون الراس. وبين عامي 1978 و1982، واصل عمله الجهادي في حي السلم، قبل أن تبدأ مرحلة جديدة من مقاومته التي طال انتظارها.
بين عامي 1982 و1985، عُيّن قائدًا لعدد من مجموعات المقاومة في مختلف قرى الجنوب، ثم قائدًا لغرفة العمليات الحركية، فكان قائدًا ومخططًا ومنفذًا لعدد من أنجح العمليات ضد العدو الإسرائيلي على مختلف المحاور. وفي عام 1989، تسلّم مسؤولية المنطقة المحتلة، أي الشريط الحدودي آنذاك، وبقي في هذا الموقع حتى عام 2000، حيث كان حاضرًا في أدق تفاصيل المواجهة، وصانعًا للمعادلات الميدانية الصعبة.
بعد التحرير، عُيّن مسؤولًا عن المنطقة المحررة، ثم تسلّم المسؤولية التنظيمية للحركة في مسقط رأسه مارون الراس، ليعود إلى بلدته قائدًا وحارسًا لها حتى لحظة استشهاده.
وفي حرب تموز عام 2006، كان الشهيد القائد هاني علوية في قلب المواجهة، قائدًا لمعارك مارون الراس، حيث سطّر مع رفاقه واحدة من أعنف صفحات الصمود في وجه العدو الإسرائيلي. ويُسجّل له أنه قام بإسقاط مروحية للعدو خلال تلك الحرب.
استشهد الشهيد القائد هاني علوية في بلدة مارون الراس خلال مواجهات حرب تموز 2006، وهو في عقده الخامس، بعد عمرٍ كامل قضاه من الولادة إلى الشهادة في خدمة الأرض والناس والمقاومة. رحل كما عاش، ثابتًا على خط النار، تاركًا خلفه سيرة قائدٍ لم يعرف المساومة، ولا التعب، ولا الانحناء.